عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
37
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
أما حديث الحياء فإنه وإن قيل ( الحياء من الإيمان ) إلا أنه في كثير من المواضع يكون وبالا على الناس ، فلا تكن خجولا ؛ لأن الخلل والتقصير في المهمات يتطرقان من الخجل ، إذ إنه في مواضع كثيرة يجب عدم الخجل ليتحقق الغرض ، ويجب الحياء من الفحش واللؤم وعدم الحفاظ والكذب ، ولا تخجل من قول الصلاح وعمله ، ولما كان الخجل نتيجة الإيمان والفاقة نتيجة الخجل ، فإنه يجب معرفة مواضع الخجل وعدم الخجل ، وما يكون أقرب إلى الصواب يجب عمله ، فقد قيل : مقدمة الصلاح الحياء ، ومقدمة الفساد القّحة . أما الجاهل فلا تعده من الناس ، وعد الفاضل عاقلا ، ولا تحسب المتعفف الجاهل زاهدا ، ولا تصحب الجهال ، خاصة الجاهل الذي يحسب نفسه عالما ، ولا ترض بجهلك ، ولا تصاحب غير طيبي السمعة ، فإن الرجل يصير حسن الذكر بصحبة الأخيار ، ألا ترى أنك تمزج زيت السمسم بالورد أو البنفسج ، ويكون حينا مع الورد أو البنفسج ، فلا يسميه أحد زيت السمسم ، بل زيت الورد أو زيت البنفسج . وببركة هؤلاء الصالحين لا تكن جاحدا للعمل الصالح ، ولا تنسه ولا تعرض عن المحتاج إليك فيكون له بذلك عين ألم الحاجة تماما ، واجعل كرم الخلق والرجولة عملك ، وابتعد عن الأخلاق الذميمة ، ولا تكن مضرا ، إذ إن ثمرة الإضرار الحاجة ، وثمرة الحاجة السفالة ، واجتهد أن تكون ممدوح العقلاء ، ولا تكن ممدوح الجهال ، فإن ممدوح العوام والجهال مذموم الخواص ، كما سمعت في الحكاية . حكاية [ رقم 2 ] يقال إن أفلاطون كان جالسا ذات يوم ، فاقترب منه رجل من جملة خواص تلك المدينة وجلس ، وأخذ يتحدث إليه من كل أنواع الحديث ، وفي خلال ذلك قال : أيها الحكيم رأيت رجلا كان يتحدث عنك ويدعو لك كثيرا ويثنى عليك قائلا : إن أفلاطون رجل عظيم ولم يكن قط رجل على شاكلته ولن يكون . فأردت أن أبلغك شكره فلما سمع أفلاطون هذا الكلام اغتم وبكى ، فقال الرجل : أيها الحكيم ما ذا آلمك من هذا الكلام فبكيت ؟ فقال أفلاطون أيها السيد لم يصل إلى منك ألم قط ، ولكن أية مصيبة أسوأ علىّ من أن يمدحنى الجاهل ويعجبه عملي ؟ لا أدرى أية جهالة فعلت فكانت قريبة من طبعه وأعجبته ، لأتوب عن ذلك الأمر ، وغمى هذا من كونى ممدوح الجهال ! وأذكر أيضا في هذا المعنى حكاية أخرى : حكاية [ رقم 3 ] كان محمد بن زكريا الرازي يغدو مع قوم من تلاميذه ، فجاء إليهم مجنون وقال : لا يوجد أحد طيب إلا محمد بن زكريا وضحك في وجهه ، فلما جاء محمد بن زكريا إلى بيته طلب مطبوخ الآفتيمون وتناوله ، فسأله تلاميذه لم تأكل هذا المطبوخ ؟ قال من أجل ضحك ذاك المجنون ، لأنه لو لم يكن قد رأى فىّ جزءا من جنونه لما ضحك في وجهي ، فقد قالوا : ( كل طير يطير مع شكله ) .